الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
242
نفحات الولاية
إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مدٍ من شعير ! أفرأيت إن أفضت إليك ، فليت شعري ، من يكون للناس يوم تكون شيطاناً ، ومن يكون يوم تغضب ! وما كان اللَّه ليجمع لك أمر هذه الامّة ، وأنت على هذه الصفة . ثم أقبل على طلحة وكان له مبغضاً منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر فقال له : أقول أم أسكت : قال : قل ، فإنّك لا تقول من الخير شيئاً ، قال : أمّا إنّي أعرفك منذ أصيبتْ إصبعك يوم أحُد وائبا بالذي حدث لك ، ولقد مات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزِلت آية الحجاب . ثم أقبل على علي عليه السلام ، فقال : للَّه أنت لولا دُعابة فيك ! امّا واللَّه لئن وليتهم لتحملنّهم على الحق الواضح ، والمحجّة البيضاء . ثم أقبل على عثمان ، فقال : هيهاً إليك ! كأنّى بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبِّها إياك ، فحملت بني أمية وبني أبى مُعيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفىء ، فسارت إليك عصابة من ذوبان العرب ، فذبحوك على فراشك ذبحاً . واللَّه لئن فعلوا لتفعلنّ فعلت ليفعلنّ ، ثم أخذ بناصيته ، فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي ؛ فإنّه كائن . ثم قال : ادعوا إلي أبا طلحة الأنصاري ، فدعوه له فقال : انظر يا أبا طلحة ، إذ عدتم من حُفْرتي ، فكن في خمسين رجلًا من الأنصار حاملي سيوفكم ، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ، واجمعهم في بيت ، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم ، فإن اتّفق ثلاثة وخالف ثلاثة ، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن ، فارجع إلى ما قد اتفقت عليه ، فإن أصرّت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقها ، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمرٍ ، فاضرب أعناق الستّة ، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم . فلما دُفن عمر ، جَمَعَم أبو طلحة ، ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار ، حاملي سيوفهم ، ثم تكلّم القوم وتنازعوا ، فأوّل ما عمل طلحة أنّه أشدهم على نفسه أنّه قد وهب حقّه من الشورى لعثمان ، وذلك لعامه أنّ الناس لا يعدلون به عليّاً وعثمان ، وأنّ الخلافة لا تخلص له وهذان موجودان ، فأراد تقوية أمر عثمان وإضعاف جانب علي عليه السلام ، بهبة أمر لا انتفاع له به ، ولا تمكُّن له منه .